محمد بن عبد الله الصفار
188
رحلة الصفار إلى فرنسا
قديم ، فيها قلع وحصون ، والناس يظهرون ماشين في أزقتها ويظهر كأن السماء فوقها مغيمة ، فجعل الغيم يشتد والظلمة تنزل حتى أظلمت . وكانت الظلمة جائية من خلف المدينة ، فبمجرد وصولها لها صرصرت ريح عاتية ويسمع لها دوي وصفير ، وأخذ المطر ينزل كأفواه القرب ، وتكلم رعد عظيم له دوي من فوق ، ونحن نسمع وقع المطر على السقف كأنه حقيقة . ثم ظهر نور في الأفق خلف المدينة كأنه الفجر قد طلع ، حتى انجلى الضوء ، فجعل المطر ينزل ويظهر كأنه مار بين الجبال له خراطيم عظيمة ، وكأنه يجيء إلى المدينة بحر من خلفها مما انحدر من الجبال وسال من الأودية من مياه المطر حتى كأنه يريد أن يغرق المدينة . ثم أرخيت الستارة وانتهى ، وكان هذا كله في نحو ربع ساعة ، وكانوا يصورون بذلك الطوفان لاكن لم يكملوه . وتارة يكون لعبهم المذكور برقص تلك الجواري ، فيمسكن بأيدي بعضهن بعضا ويأخذن في رقص عجيب وتليين أعضائهن وتثنية معاطفهن ، حتى يكاد أن يلتقي فمها بعقبها من خلف ، ويقفزن على رجل واحدة ويدخلن في بعضهن بعضا حتى كأنهن لسن آدمييات . وتارة يمسك واحد من الرجال واحدة من تلك الجواري ويتراقصان . وهذه التياتروا ليست مجمعا للحرافيش والأوباش ، بل يحضرها أكابرهم وأهل المروءة منهم ، ويحضرها الرجل وزوجته وبناته ، والرجل وأصحابه . ويجعلها السلطان في داره ، وله في داره محل معد لها ، فيدعوا اللعابين والمتفرجين ، ويجلس هو وأولاده ونساؤه ونساء أولاده وجميع وزرائه وخواصه ، وأهل اللعب يلعبون بالرقص والتعاشق وغير ذلك ، وهم ينظرون وينشطون بذلك . ويزعمون أن في ذلك تأديبا للنفوس وتهذيبا للأخلاق وراحة للقلب والبدن ، ليعود إلى شغله بنشاط وقريحة . أفد طبعك المكدود بالجد راحة * يجم وعلله بشيء من المزح وسئل الشعبي هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون ؟ قال نعم والإيمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي « 1 » . وكان نعيمان الصحابي من أولع
--> ( 1 ) مأخوذ عن كتاب ابن حجر العسقلاني ( المتوفى في 852 / 1449 ) ، الإصابة في تمييز الصحابة ( كلكوتة ، 1856 - 1893 ) ، 3 : 569 - 570 . وأيضا EI 2 , s . v . " Ibn Hadjar Al - ? Askalani " وأقدم هنا شكري الجزيل للأستاذ المهداوي المدغاني الذي أرشدني إلى هذا المصدر . أما عن الشعبي ، فهو عمر بن شرحبيل الشعبي من مشاهير علماء القرن الثامن الميلادي .